ابن كثير

44

البداية والنهاية

وما اخترت قول الشافعي ديانة ( 1 ) * ولكنما تهوى الذي هو حاصل وعما قليل أنت لا شك صائر * إلى مالك فانظر ( 2 ) إلى ما أنت قائل ؟ الست الجليلة زمرد خاتون أم الخليفة الناصر لدين الله زوجة المستضئ ، كانت صالحة عابدة كثيرة البر والاحسان والصلات والأوقاف ، وقد بنت لها تربة إلى جانب قبر معروف ، وكانت جنازتها مشهورة جدا ، واستمر العزاء بسببها شهرا ، عاشت في خلافة ولدها أربعا وعشرين سنة نافذة الكلمة مطاعة الأوامر . وفيها كان مولد الشيخ شهاب الدين أبي شامة ، وقد ترجم نفسه عند ذكر مولده في هذه السنة في الذيل ترجمة مطولة ، فينقل إلى سنة وفاته ، وذكر بدو أمره ، واشتغاله ومصنفاته وشيئا كثيرا من شعاره ، وما رئي له من المنامات المبشرة . وفيها كان ابتداء ملك جنكيز خان ملك التتار ، عليه من الله ما يستحقه ، وهو صاحب الباسق وضعها ليتحاكموا إليها - يعني التتار ومن معهم من أمراء - الترك ممن يبتغي حكم الجاهلية وهو والد تولى ، وجد هو لاكو بن تولى - الذي قتل الخليفة المستعصم وأهل بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في موضعه . والله سبحانه وتعالى أعلم . سنة ستمائة من الهجرة في هذه السنة كانت الفرنج قد جمعوا خلقا منهم ليستعيدوا بيت المقدس من أيدي المسلمين ، فأشغلهم الله عن ذلك بقتال الروم ، وذلك أنهم اجتازوا في طريقهم بالقسطنطينية فوجدوا ملوكها قد اختلفوا فيما بينهم ، فحاصروها حتى فتحوها قسرا ، وأباحوها ثلاثة أيام قتلا وأسرا ، وأحرقوا أكثر من ربعها ، وما أصبح أحد من الروم في هذه الأيام الثلاثة إلا قتيلا أو فقيرا أو مكبولا أو أسيرا ، ولجأ عامة من بقي منها إلى كنيستها العظمى المسماة بأياصوفيا ، فقصدهم الفرنج فخرج إليهم القسيسون بالأناجيل ليتوسلوا إليهم ويتلوا ما فيها عليهم ، فما التفتوا إلى شئ من ذلك ، بل قتلوهم أجمعين أكتعين أبصعين . وأخذوا ما كان في الكنيسة من الحلى والاذهاب والأموال التي لا تحصى ولا تعد ، وأخذوا ما كان على الصلبان والحيطان ، والحمد لله الرحيم الرحمن ، الذي ما شاء كان ، ثم اقترع ملوك الفرنج وكانوا ثلاثة وهم دوق البنادقة ، وكان شيخا أعمى يقاد فرسه ، ومركيس الافرنسيس وكندا بلند ، وكان أكثرهم عددا وعددا . فخرجت

--> ( 1 ) في الوافي بالوفيات 2 / 116 : وما اخترت رأى الشافعي تدينا . ( 2 ) في الوافي : فافطن لما أنت ، وفي وفيات الأعيان : لما أنا .